محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري
49
الاعمال الصوفية
المعرفة . والمعرفة لسان الفردانية ، إذا نطق محا ما سواه ، وإذا صمت محا ما تعرّف . والعلم باب الله ، والمعرفة بوّابه . العلم عمود لا يقلّه إلا المعرفة ، والمعرفة عمود لا يقلّه إلا المشاهدة . لذلك تبقى المعرفة ما بقي خاطر : أول المشاهدة نفي الخاطر ، وآخرها نفي المعرفة . المعرفة نار تأكل المحبة ، لكنها أيضا تأكلها نار الوقفة ، التي تشهد أن المعرفة سوى . إذا رأى الصوفي الله ، رأى العلم والمعرفة نفيا عن الله ، وإذا حملهما في طريقه إلى الله ، اعترضته الدنيا والآخرة ، وإن كان طريقه فيهما حبساه . المعرفة بلاء الخلق خصوصه وعمومه ، وفي الجهل نجاة الخلق عمومه وخصوصه . كل أحد تضرّه معرفته ، إلا من وقف بالله في معرفته . المعرفة التي لا جهل فيها معرفة لا معرفة فيها ، لكن المعرفة التي لا جهل فيها لا تبدو ، تماما كما لا يبدو جهل لا معرفة فيه . وإذا تعرف الله إلى قلب أفناه عن جميع المعارف . فالمعرفة إذا حضرت ، غابت الحاجة . أوّل ما تأخذه المعرفة من العارف كلامه . ذلك أن آية المعرفة ألا يسأل العارف الله عنه ولا عن كلامه ، بل يزهد في كل معرفة فلا يبالي بعد معرفته بمعرفة سواه . كل من يحاول أن يعلق معرفة الله على معرفة السوى فهو منكر . لأن المعارف المتعلقة بالسوى نكرات ، قياسا بالمعارف غير المتعلقة بالسوى . والمعارف التي تثبت بالواسطة تمحوها الواسطة . العارف لا يصلح العارف لحضرة الله ، لأن سرائره بنت قصورا في معرفته ، فهو كالملك لا يحب أن يزول عن ملكه . والوقفة ميثاق الله على كل عارف : إذا عرف هذا الميثاق خرج من المعرفة إلى الوقفة ، وإن لم يعرفه امتزجت معرفته بحده . ومعرفة من لم يقف حاسرة ، تماما كما أن علم من لم يعرف غير مفيد . العارف يستدلّ بالله ، والعالم يستدلّ على الله . ولا يذنب العارف إلا في حال معرفته : فإن لم يدم فهو منكر ، وإن لم ينصر الله فهو منكر . المعرفة خطاب الله ، وحكومة العارف خطابه ، وحكومة الواقف صمته ، وحكومة العالم علمه . ترى قلوب العارفين الأبد ، وترى عيونهم المواقيت : أرواحهم لا كالأرواح ، وأجسامهم لا كالأجسام . العلم العلم حجاب الله ، لأنه حجاب الرؤية . فهو حجّة الله على كل عقل ، فالعقل فيه